محمد هادي معرفة

57

التمهيد في علوم القرآن

قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه ، نحو رؤيا إبراهيم ( عليه السلام ) ونحو ما كان رأى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) من أسباب النبوّة قبل الوحي ، حتى أتاه جبرائيل ( عليه السلام ) من عند اللّه بالرسالة . . . » « 1 » . قوله : « قبل الوحي » أي قبل الوحي الرسالي المأمور بتبليغه . لأنّ هذا البيان تفسير لمفهوم « النبيّ » قبل أن يكون رسولا . وهو إنسان أوحي إليه من غير أن يكون مأمورا بتبليغه . فهو يتصل بالملإ الأعلى اتصالا روحيّا ، وينكشف له الملكوت كما حصل لنبيّنا ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قبيل بعثته المباركة . قال صدر الدين الشيرازي : « يعني أنّه ( صلى اللّه عليه وآله ) اتصفت ذاته المقدّسة بصفة النبوّة وجاءته الرسالة من عند اللّه ، باطنا وسرّا ، قبل أن يتصف بصفة الرسالة أو ينزل عليه جبرائيل معاينا محسوسا بالكلام المنزل المسموع . وإنّما جاءه جبرائيل معاينا حين جمع له من أسباب النبوّة ما جمع للأنبياء الكاملين ، كإبراهيم ، من الرؤيا الصادقة والإعلامات المتتالية بحقائق العلوم والإيحاءات بالمغيّبات . والحاصل : أنّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) استكمل باطنه وسرّه قبل أن يتعدّى صفة الباطن منه إلى الظاهر ، فاتصف القالب بصفة القلب محاكيا له ، والأوّل نهاية السفر من الخلق إلى الحقّ ، والثاني نهاية السفر من الحقّ بالحقّ إلى الخلق » « 2 » . * * * نعم ربّما كانت الرؤيا الصادقة سبيل الوحي إليه ( صلى اللّه عليه وآله ) فيلقى إليه العلم أحيانا في المنام ، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « رؤيا الأنبياء وحي » « 3 » . ولكن لم يكن شيء من ذلك قرآنا ، إذ لم يعهد نزول قرآن

--> ( 1 ) الكافي : ج 1 ص 176 ح 3 . وبحار الأنوار : ج 18 ص 266 ح 27 . ( 2 ) شرح أصول الكافي : ( صدر المتألهين ) : كتاب الحجة ج 3 ص 454 . ( 3 ) امالي الشيخ الطوسي : ص 215 وبحار الأنوار : ج 11 ص 64 ح 4 .